الرئيسية / كتاب رأي / نحن والإرهاب والعالم

نحن والإرهاب والعالم

فلورنس غزلان 

العالم الذي جعل " ترامب " يصعد إلى كرسي الرئاسة الأمريكية ، هو نفس العالم الذي جعل من " بوتين " إمبراطوراً جديداً في روسيا، ونفس العالم الذي أتى وسيأتي باليمين واليمين المتطرف في معظم الدول الأوربية ، وهو نفس العالم أيضاً الذي ،ترك الشعب السوري يذبح على مدى ست سنوات مضت ، ونَوَّم ضميره الإنساني اعتقاداً منه أنه بهذا العمل يضمن مصالحه وحياة أولاده ويجنب بلاده الإرهاب، ومالبث أن خرج الإرهاب من رحمه وشكل له هاجساً يومياً … يقض مضجعه السياسي ، ويؤدي بالتالي للرد على التطرف الإرهابي بتطرف سياسي ، وهذا المنحى لايمكن تسميته إلا بالعمى والتخبط الفكري والسياسي لحل معضلات عالمية لاتعرف الحدود ، لكن حلولها قاصرة وعنفية ترد على العنف بعنف آخر سواء عسكري أو منهجي سلوكي آني ، لايحل جذور القضايا ولا يراها بعمق، بالطبع هذا الأمر على الصعيد العالمي الغربي ــ فما هو دورنا وفعلنا نحن …كعرب أو كمسلمين أو كدول تخرج مدارس الإرهاب وترسل بها إلى بقاع العالم …كما تدمر العلاقات الإنسانية والوطنية في المنطقة " الموبوءة"؟!
حتى اللحظة تنغمس كل دول المنطقة بحربها على " الإرهاب" مع أنه منتج معظم الدول ، التي تدعي أنها تتصدى له اليوم!..وقد غرقت نتيجة لقصر نظرها السياسي وعماها الفكري والديني وتعصبها الطائفي في حروب لن تخرج منها إلا وهي منهارة اقتصادياً ومشكوك في مسلكها ونهجها سياسياً ، فمن حرب اليمن …التي لايبدو أنها ستفضي إلى سلام قريب ولا إلى نهاية عسكرية قريبة ينتصر فيها أحد على الآخر بقدر ما سينهزم ويخسر شعب اليمن المنكوب منذ عقود طويلة حتى اللحظة، إلى حرب الكر والفر في مصر وسيناءها وفي عمق القاهرة كذلك بين نظام منهار اقتصادياً وفاشل سياسياً …يقوم على عسكرة وكم أفواه الناس …أفشل ثورة الشعب المصري وأعادها لما هو أسوأ من عصر مبارك وأنجاله وسطوته، إلى الحرب العراقية الدموية التي اتخذت طابع الطائفية السياسية كمظهر أرادته اليد الطويلة في العراق والمرتبطة وثيقاً بدولة الفقيه في طهران ، مع أن أهدافه البعيدة ربط العراق بشكل دائم وحصري بالإمبراطورية الفارسية التي يسعى إليها الحلم الفارسي بثوب شيعي مقصود لشد إرادة الشعوب المتخلفة في فهم وضعف الرابط الوطني، سواء في العراق وماتركه من آثار وتراث حكم صدام حسين، أو في سوريا وماخلفه ويخلفه النظام الأسدي من فكر عقيم وإقصاء سياسي مقصود للمواطن عن الحياة العامة والسياسية واستقطاب لكل ماهو طائفي …وديني يمسك بتلابيب الشعب وحراكه ..وهذا هو السبب الرئيس الذي جعل من بلادنا مهبطاً لداعش والنصرة وماشابهها …مع أن نقيض هذا ومقابله أحزاب مذهبية الطابع تخدم الحلم الفارسي في المنطقة "كحزب الله ، وأنصار الله ، …والنجباء وغيرها كثير ". بالطبع الشمال الإفريقي العربي وغير العربي …يغطس في بحر الإرهاب حتى أذنيه ، من ليبيا لتونس وموريتانيا …ومالي ونيجيريا …وغامبيا ويحياها المتمسك بتلابيب دولته " الإسلامية "!..
ماذا فعل علماؤنا ومفكرينا للخروج من هذا النفق والتخبط بين سلفيته الظلامية وتخلفه عن تطور الحياة والشعوب وإنقاذ شبابه ، الضحية الأولى والرئيس في السقوط ببراثن هذا الفكر …حتى الآن مجرد مؤتمرات إسلامية ….لايخرج عنها سوى بيانات وإدانات …وتضامن مع السعودية ومع باكستان وأفغانستان ، وتركيا وغيرها …دون أن يخرج عنها مجموعة تعني بتغيير الفكر الديني والمنهج المتبع في دول التفريخ الإرهابي ، لم يخرج عنها كتلة تسعى وتهتم بالأجيال القادمة وتغيير مناهج التعليم في مدارس تفرخ الفكر الإرهابي ، ولم يخرج عنها دراسة معمقة تبحث بالأسباب لتواجد هذه المجموعات على أرضنا وتشير بالإصبع الصريح للعوامل الرئيسة في نشوئها وتعطي تحليلا واقعيا صادقا لمظاهرها وجذورها ، كما تعطي حلولا وطرقاً لتنظيف المجتمعات المبتلاة بمثل هذا الفكر…واكتفى مفكرونا وبشكل إفرادي بإسداء النصح والتنظير …دون أن يمد الواحد منهم يده للآخر القريب منه فكرياً للعمل سوية على تكوين جبهة عريضة تكرس نفسها لتوعية المجتمع وتطهير الأجيال من هذا الاثم ..نعم إنه الإثم ، والمسؤول الأول عنه هم مفكرينا ومن نسميهم " نخبتنا " ، ولو انتظرنا من الحكومات العربية والإسلامية أن تخطو خطوة نحو تفعيل أعمال من هذا النوع والنهج …فباعتقادي كمن ينتظر من صحراء الربع الخالي أن تصبح جنة عدن…
نرى بين فينة وأخرى تجمعاً هنا وتكويناً هناك …يطرح الفكر النير والمنير…لكنه لايكبر ولا ينتشر لأنه محصور ومحاصر من نفسه ومن مجموعته، التي ترفض الانفتاح على مواطنيها وعلى رفاق درب فكري وإن اختلفت المنابع أو مصادر التمويل .. وكل يشكك ويغمز من زميل الدرب …فمتى نتخلص من هذه الأمراض ونخطو نحو أفق أبعد لتحقيق حلمنا في وطن حر ديمقراطي يمثل كل مكونات أوطاننا المتنوعة ، إن لم نحارب الفكر الظلامي وهو في بيتنا فلن نخرج من الإرهاب إلا حين ندمر ماتبقى من أمل ومن مجتمعات عادت إلى الوراء عقوداً طويلة ..فهلا نظرتم في المرآة يانخبتنا؟. هلا سعيتم لمساعدة هذا العالم الأعمى على فتح عيونه على حقيقة الإرهاب وعلى تكوينه وطرق معالجته ، قبل أن يكيل لكل من يحمل وجهاً مشرقياً أو معالم عربية ــ إسلامية تهمة الإرهاب ، عليكم وعليكم فقط يقع عبء وعي مجتمعاتكم ، وتنظيم علاقات إنسانية مع بقية شعوب الأرض لترانا كشعوب حضارية خلاصها وخلاصنا مترابط ، والعمل المشترك بين مثقفينا ومثقفيهم هو السبيل الوحيد لعالم حر بدون إرهاب .
باريس 20/01/2017

عن الساحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

Solve : *
25 ⁄ 1 =